← جميع النصوص

رسالة

فَذْلَكَةُ الحقيقة

إنسان متجذر في الأرض ترتفع منه روح مضيئة بين مسرح ظلال وسكين ونار معلقتين بخيوط ذهبية

أي أبا الأيهم، يا ولدي، حين تكبرُ حتى يهجمَ عليك الليلُ، فتفيق مذعوراً على قرعِ طبولِه، إنها إذاً الحربُ المستعرةُ في أحشائك، لأنَّ ليلَك، يا ولدي،  هوَ هوَ لم يتغيرْ، ليسَ بصاخبٍ و لا سَخّاب و لا يعرفُ الطبولََ أو الضوضاء، فهو ليس كَليْلِ (غزةَ) المُدوّي ..

هذه الحربُ المستعرةُ في أحشائك، قلّما يحدثونك عنها اليوم، لأنهم بينَ غافلٍ و مُعرضٍ، غافلٍ لا يسمعُ و مُعرضٍ لا يُريدُ أن يسمع! هي حربٌ قُطباها جسدٌ يَثقُلُ بكٓ إلى الأرضِ، و روحٌ تخِفُّ بك إلى السماء، و رحاها نفسُكُ الممزَّقةُ بينَ جنبيك، تئنُّ مِن الحربِ حتى ينبوٓ بِكَ المضجعُ، ويمُجُّكٓ الفِراش.

متى تخبو هذه الحربُ؟ متى تنقضي ملحمةُ  الروح و الجسد و كيف؟  إليك، يا ولدي، فذلكة الحقيقة.

تأمّلتُ في صفحةِ سِكينٍٍ يوماً، قلتُ في نفسي: هذه الآلةُ الصَّمّاء لا حياةَ فيها، لكنَّها تقطعٰ كُلّٓ ما بينَ الروحٍ و الجسد ِمِنْ صِلةٍ، و تعبرُ بذاتِك من حياةٍ محسوسةٍ إلى أخرى معقولةٍ عن أفواه الصِّدٌِيقين. تأمَّلْ مليّاً في تلكَ المُفارقة: أداةٌ لا روحَ فيها و لا إرادةَ لها، تقضي على روحٍ و إرادةٍ، و في لحظة! ما معنى هذا؟ ما معنى أنْ تخترق قطعةٌ من الحديدِ مُضغةً من اللحم، لتنفلتَ الروحُ مِنْ إسارها! ها هُنا تتناحرُ الأفكارُ في فلسفةِ الحياةِ و الموت.

كلُّ ما تراهُ حولكَ هو مجردُّ شُخوصٍ و أفرادٍ موصوفةٍ بصفاتٍ لا تأثيرَ حقيقيَّ لها البتة، كلُّ ما قدْ ينقدحُ في ذِهنكٓ من علائق يبن تلك الأفرادِ ليسَ بلازمٍ عقلي و لا هوَ محسوسٌ في الخارج، بلْ مُجردُ تتابعٍ عادي، فالسكينُ لا تقطعُ حقيقةً، و النارُ لا تحرقُ حقيقةً، إنَّما العادةُ أنْ يتبعَ حركةَ السكينِ قطعٌ، و اتِّقادَ النارِ حرقٌ، و هكذا.. نعمْ، هي عاداتٌ مُطرّدةٌ، حتى صاغوا مِنْ شدِّة اطِّرادها قوانينَ و قواعدَ حُجِبوا بها عن الحقائق، ثُم جعلوا تلك القوانينَ علوماً يُدرِّسونها في الجامعات و قَصَروا العِلم عليها، فليتَ شِعري، كيفَ يكونُ القانون عِلماً و هو لا يكادُ يثبتُ على حال، و لَمْ يتحققْ في جميعِ أفراده التي كانت و ستكون! هيهات هيهات أن يكونَ مثلُ ذلك علماً!  إنْ هي إلا عاداتٌ متتابعةٌ مُستَقرأَة،  و في هذا المعنى يقولُ أحدهم:

رَأَيتُ خَيالَ الظلِّ أَكبرَ عبرَة،،،،لِمَن كانَ في عِلمِ الحَقيقَةِ راقي

شخوصٌ وَأَشباحٌ تَمُرُّ وَتَنقَضي،،،،وَتَفنى جَميعاً وَالمحرّك باقي

فإذا تمكَّن هذا المعنى من نفسِك ياولدي، و شَرِبتٓ منه حتى تضَلّعتَ، خَبتْ حربُ أحشائك المستعرة، و رأيتٓ الحياةَ و الموتِ بعينِِ الحقيقةِ، بلْ رأيتَ عبادتَك بعين الحقيقة، حتى تفنى عن كُلِّيّتكٓ مردِّداً : (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، حينذئذٍ تَتبخرُ حظوظُ نفسِك، و يسقط تدبيرُ عقلِك، فإنه كما قيل: تدبيرُ العقلِ لا ينطبقُ على رسومِ المحبَّة، ولمْ يبقَ مِنك سِوى معنى العبودية لله، فأنت أيها المفتقرُ في وجوده وإدراكاته و حركاته و سكناته لاشئ سوى أنك عبدٌ لِمَنْ وهبك ذلك الوجود و أمدّٓك به، فتلك هي الحقيقة.

و من روائع الحداد:

قد كفاني علم ربي مِن سؤالي واختياري

فدعائي و ابتهالي  شاهدٌ لي بافتقاري

فلهذا السر أدعو في يساري و عساري